الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
259
نفحات الولاية
فقد ذهب البعض إلى أنّ المراد بأصحاب الفتن هم أنصار رجل يدعى صاحب الزنج واسمه علي بن محمد وقد نسبوه إلى سلالة النبي صلى الله عليه وآله ( وإن كان هنالك شك في نسبه ) حيث يجمع عددا من الزنوج حوله ومن هنا لقب بصاحب الزنج . فقد نهض في نصف القرن الثالث وأثار فتنة عظيمة أطراف البصرة ، ثم قتل على يد المجاهدين بعد 12 سنة من حكومة لتلك المنطقة . كما فسرها البعض الآخر بفتنة المغول ، الذين لم يسيطروا على العراق فحسب ، بل سيطروا على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي ، ثم تصدى لهم المجاهدون المسلمون بعد مدة طويلة وقضوا عليهم . وأخيرا فسرها البعض بحوادث آخر الزمان وتعم الفتنة أغلب العالم الإسلامي فلا تقتصر على العراق ، ثم يهب لهم جيش الإمام المهدي عليه السلام فيقضي عليهم . ولما كان أغلب شرّاح نهج البلاغة يرون هذه الخطبة جزءا من الخطبة 128 ، لذلك نرجح تناول هذا الموضوع بصورة أعمق حين نخوض في شرح تلك الخطبة . ثم اختتم الإمام عليه السلام خطبته مخاطبا البصرة : « فويل لك يا بصرة عند ذلك ، من جيش من نقم الله ! لارهج « 1 » له ولا حس « 2 » ، وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر ، والجوع الأغبر « 3 » » . والعبارة عند ذلك تشير إلى أنّ حادثة البصرة ليست حادثة منفصلة ، بل البصرة إحدى مراكز الفتنة التي يتعرض أهلها إلى أشد الضربات والعقوبات . والعبارة نقم الله تفيد أنّ هذه الفتنة المرعبة جزاء لاعمالهم . والعبارة لارهج له ولا حس إشارة إلى الاستعداد التام للقوات المهاجمة بحيث تدخل المدينة وفق خطة دقيقة دون أن تثير بعض الأصوات والجلبة فتسلب زمام المبادرة من الطرف الآخر بحيث لا يبقى أمامه من مجال للمقاومة . والعبارة الموت الأحمر إشارة إلى عظم المقتلة التي تقع في البصرة ، فقد ورد في تاريخ صاحب الزنج أنّه قتل ثلاثمئة ألف من الناس حين دخل البصرة . « 4 »
--> ( 1 ) « رهج » بالتحريك والسكون الغبار كناية عن دخول الجيش بكل هدوء وبصورة مباغتة دون أن يثير شيئاً . ( 2 ) « حس » الجلبة والأصوات المختلفة . ( 3 ) « أغبر » من الغبار والجوع الأغير كناية عن المحل والجذب والقحط الشديد ؛ فوجوه الناس تبدو مغبرة في القحط من شدة الجوع . ( 4 ) مروج الذهب 4 / 119 .